عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
51
معارج التفكر ودقائق التدبر
الناظر يشمل نصف الدائرة من حوله ، إذ البصر يرى من الجهة الّتي يتوجّه لها مقدار نصف الدائرة أو الكرة من حول الناظر ، فيدخل ما هو عن يمينه وما هو عن شماله وما هو من فوق هذه الجهة ، فالسّدّ من بين يديه كلّ هذه الجهة ، وحين يستدير إلى خلفه يجد سدّا آخر بمقدار نصف الدائرة أو الكرة من حوله ، فعبارة : وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا تشمل كلّ ما حوله ، فلا حاجة إلى إضافة : وعن أيمانهم سدّا ، وعن شمائلهم سدّا ومن فوقهم سدّا . وهذا من دقائق التعبيرات القرآنية . وهذه الآية تقدّم صورة تمثيليّة رائعة لحالة عدم رؤيتهم للحقّ ، وهي تعرض ما قام دون بصائرهم من سدود تمنع عنها رؤية الحقّ ، بسبب كونهم سجناء شهواتهم وأهوائهم وكبرهم ، وحبّهم الاستعلاء في الأرض بغير الحقّ ، ورغباتهم في الفجور ، ومن ورائها الشياطين . وجاء في الصورة تسمية الحجب سدودا ، ولم يسّمها اللّه ستورا أو نحو السّتور ، لأنّ هذه الحجب تصلّبت وتحجّرت ، فهي حريّة بأن تسمّى سدودا ، إذ هي بالنسبة إليهم وإلى من هم مثلهم تشبه السّدود . وقد جعل اللّه - جلّ جلاله وعظم سلطانه - في أنظمة النفوس الّتي هي إحدى سننه وقوانينه في كونه ، أنّ من جعل نفسه باختياره الحرّ سجين أهوائه وشهواته إلى سائر الجوامح الأواسر لنفسه ، أن تقام بين بصيرته وبين الحقّ سدود من بين يديه ومن خلفه ، وهذه السّدود تحجب عن بصيرته رؤية الحقّ . وهل يوجد أذلّ وأحقر وأخزى من أسير سجين لا يرى أنوار الهداية الرّبّانيّة ؟ ! هكذا صوّر اللّه عزّ وجلّ حالة هؤلاء المعاندين المستكبرين ، الّذين دخلوا باختيارهم الحرّ في سجن الجوامح الأواسر المتعلّقة بمتاع الحياة الدنيا وزينتها .